أفريقية على ناصية الشارع

نوفمبر 11, 2008 at 10:58 ص 3تعليقات

أنهكها المسير فاستراحت بقارعة الطريق واتكأت على عمودٍ ينير

فانطفأ ثمَ أنار فنطفأ من جديد ثم لم يعد يُشعُ من جديد

وكأنها باتكائها عليه قد خنقته واخفت منه نورهـ

آلمها إغماض جفنيها على جراحها وقد اشتدّ بالليل ظلمتِه

الأفريقية المشردة لملمت شتات خِرق ثوبها تحمي ما تبقى منه

وسُحبُ السماء ترعد تتوعدها بهطول يخيفها

جالت أنظارها تبحث عن مأمن في كربة الليل

كان الشارع الترابيُ القذر يعلنُ الخلو من كل شيء عَداها هي و حشرات صغيرة هنا وهناك

وعلى بعد منها مبنى تنير فوقه الأنوار توهج بألوانٍ كالحلم

تعلقت به أنظارها بتعب يسحقها

خرجت أشباح تتمايل بغباء من ذاك المرقص

تضمخت جيوب بدلهم السوداء

ويمسك كل واحدٍ منهم برفيقة ترتدي مالا يكاد يستر منها شيئا

زاد من اشمئزازها نحوهم ألوان جِلدة بعضهم البيضاء وألوان شعّرهم الأصفر

أمثالهم قتلو شريك حياتها زوجها المزارع البسيط ذا العينين البراقتين

طعنوهـ غدرا حين سلبوا أشجار خوخها الأحمر الناضج وبجوار قمامة منزلها تركوها

ككل المشردين بدأت من بعد فقدهـ الرحلة التي يقوم بها اغلب شعب هذه القرية الساحلية

يدفعهم جميعا وهمـ الوصول للأمل..لشمس الحرية ، لأرض ما وراء الماء

في إغفاءة عينيها حلمٌ تخيلته لطيف ابنها الصغير تلاعبه

فتعلو ضحكته وثغره الباسم يرتفع باتساع .. ويرتفع صوته وصوتها مناغياً

سيضحك جارُها لبراءته

لن يصفعها كما حدث في شاحنة الهرب لإزعاجه ويصرخ طالباً الصمت بعبوس حاد

تناثرت دموعها لذكراهـ ؛ حتى هناك في أرض الأمل لا يمكن أن يضحك طفلها

فقد رحل للسماء ليكون بجوار والدهـ

تركها تصارع جحيم الشارع وحدها بعد أن عانى جسده الغض الأسمر الصغير جدا طعنات الشتاء..

استلها بقوة صوت شاحنة تسير قربها أخرجها الصوت صوت القرقعة من بؤس الماضي لتتابع أشجان حاضرها

تطلعت برعب اتسع له عينيها للكائن العملاق المسرع نحوها

وقفت مبتعدة بسرعة عن طريقها وببطء مدت يدها للأمام في علامة تشير للشاحنة لتتوقف

وتمتمت بدعاء حفظته عن جدة لها

توقفت المركبة وأطل منها رأس صغير أسمر اللون حاد النظرات لم يعجبه كما يبدو ما رأى

- كم معك؟

حركت قبضة يدها وأظهرت خاتمـ فضة صغير كانت لتشتري به ماء وطعاما وثوبا جديدا لطفلها

ضحك الفتى بأسى وأشار للملهى

- أحضري مالا ولأرض الماء [ الميناء] سأوصلك.

أدخل رأسه حيث كان وتحركت مركبته

وعشرات من العيون اللامعة تجلدها بنظرات مرتابة من صندوق الشاحنة

انهارت الأفريقية مكانها وبدأ المطر ينهمر وينهمر بقوة موجعة وابتلت الارض

رفعت رأسها للسماء تجيب مناديا دعاها

ترآئت لها صورة طفلها الصغير من بين زخات المطر

يحمله حبيبها ويمد لها يده سارت دموعها شوقا / ألما على وجنتيها

صرخت تخبرهـ :: لم أستطع إعادة البستان

ثم مدت هي الأخرى تمسك يده قبل جبينها بصمت وقربها إليه

::

كان الصباح معتماً وبدأ تنظيف الملهى ويقال أنهم وجودوا امرأة على ناصية الشارع

تلقاها المطر فأذاب روحها وكانت تبتسم .

أفريقيا وما ادرنا نحن المرفهون عن تلك الارض السوداء

وما ادرانا عن نساءها وصغارها .. عن أي شقاء يبيتون ويصبحون عليه !!

Entry filed under: سَـــرد [ قصص ]. Tags: .

فلاش .. بدية هم أجسادنا \ أرواحنا وما بينهما من شعور

تعليقات Add your own

  • 1. نبض  |  نوفمبر 12, 2008 عند 7:19 م

    طير الأمة..
    طير يحلق على كل القرى الإنسانية..
    قصة من أروع ما قرأت
    أحببت قلمك وأعجبتني رسالتك..
    طير ..
    تملكين خيالا واسعا جدا… يرسم لقطات مؤثرة..
    أرجو أن لا أكدر صفوك بملاحظتين صغيرتين
    الأولى : أن تتباطئ سرعة الأحداث ، شعرت بربكة في تتالي المواقف وتجميعها…:o
    الثانية : يبدو أنها خطأ إملائي
    وعشرات من العيون اللامعة ((( تجليدها )) بنظرات مرتابة ..
    هل تقصدين تجلدها :) ..؟
    وفي ما عدا ما ذكرت من أمور لا تسئ أبدا إلى جمال قصتك …
    لقد أبدعت في رسم الخريف يا طير

  • 2. bushra0011  |  نوفمبر 24, 2008 عند 12:08 ص

    يآلها من كلمة !! طير الأمة !!

    هل مازال للأمة طيور يا نبضها ؟؟!

    وإن كان ومازال لها .. فأين الأجنحة يا نبضها ؟! أين؟

    .::.

    ومشكلتي لا أحب الاطالة

    فكفيني من الألم ما يجلبه خيال يضغط علي ّ

    فأتصور الوجع مرتسما امامي ..

    فأسارع بالكتابة لأتخلص من القفص.. لأبتعد!!

    أما الآخر فهو خطأ املائي كما اكتشفتِ :)

    .::.

    للحرف أحيانا شدوَ رصاص لذا يعجب من يَنشدُون الحرية

  • 3. أريج الخريف  |  ديسمبر 31, 2008 عند 6:38 م

    هي

    كالمطر لا بل اضنها اطهر…
    كانت تتمتم قبلها…
    جميعكم احبكم..
    لالحسنة منكم علي..
    لا..
    احببتكم شفقة عليكم..
    ربي تعلم بؤسي وشقائي وانكساري
    وتعلم مقدار حاجتي لشيء اقتات عليه
    لهذا احببتكم..
    غدا أنا الشموخ والمجد
    وكنت في سالف الايام في حاجة لكم…
    واليوم لي العظمة ولكم الانكسار
    فربي رحمن رحيم
    لن يجازيكم بنعيم في الدارين
    هنالك..
    اشهدكم أني قد عفوت!

    لطالما تسائلت لم كان دمعها
    ماسا!!

    ودموع بعضهم مجرد (قطرة ماء)!!

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


counter

أحدث التدوينات

أحدث التعليقات

bushra0011 on من يجد يجد لي ضيء ؟
أريج الخريف on أفريقية على ناصية الشارع
أريج الخريف on زهرة البان 3
هدوء البحر on هاوية المحاسبة الحكومية
هدوء البحر on من يجد يجد لي ضيء ؟

الأرشيف


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.