من يجد يجد لي ضيء ؟

ديسمبر 3, 2008 at 5:25 م 8تعليقات

كانوا يتحدثون أثناء العشاء عن طفلة جديدة أتوا بها من ميتم آخر

نادرا ما يتم نقل طفل من ميتم إلى آخر.. أظنه عقابا ما

كنت أسمع حديثهم عنها وأن لديها إعاقة في النطق وفي السمع وربما في العقل أيضا

الحديث الحاد و آراء تذهب وتأتي عبر الطاولة تزداد خشونة

وأقرأ في وجوه الفتيات الكبيرات الرفض لها و رفض إشراكها في مجموعة أطفالهم

فكل مجموعة من الأطفال لديها أم واحدة من الفتيات الكبيرات, نظرت لأمي و كانت كما هم.. رافضة لها

حرك نبذهم فضولي نحوها.. فكيف شكل هذهـ المنبوذة ؟!

تسللت بعيدا عن الطاولة توجهت للصالة العلوية حيث اعرف أنها هناك

حين دخلت توجهت أنظاري إليها فورا وكأن الغرفة لا تحوي شيئا سواها

بقيت واقفا عند الباب لم أجرؤ على الاقتراب أبدا

رأيتها.. طفلة صغيرة..وربي صغيرة جدا, شعرها أسود كالليل يصل الى منتصف عنقها

وعيناها واسعتين جدا جدا ؛ وكأن شيئا أخافها ثم لم تعد عينيها إلى طبيعتِهما مرة أخرى

ورأيت عينيها تهبطان ببطيء ..ثم بسرعة ترتفع ثم تعود لتسدل من جديد لتعود تفتحها بسرعة

رفعت يدها إلى وجهها , و ياللعجب .. صفعت نفسها !

فكرت أنها خائفة و تقام النوم بيأس شديد.. 

ومرعوبة ربما مما حدث لها هنا أو في الميتم السابق الذي كانت فيه

حرك منظرها شيء في داخلي, حرك عطفا وشفقة لم أظنها موجودة في داخلي

أو ربما كان الذي تحرك فيّ شيء آخر!

خرجت مسرعا أجري لغرفتي وفتحت ما يدعى خزانة ملابس, مخرجا بعض القمصان 

وعدت إلى تلك الطفلة وأصبحت اقترب منها مفكرا في ليلتها الأولى

في هذا المكان المختلف بالتأكيد سيشكل لها كابوسا؛ أولا اعرف أنا هذا

وهنا توجد جميع صور اللامبالاة التي تقترب من الوحشية

كل ما عليها هو أن تجتازها وتتخطاها ثم سيكون كل شيء أسهل

نعم كل شيء وستكبر لـ تنسى!

قربت لرأسها كومة من الملابس وحركت يدي عليها في إشارة مني لتستخدمها كوسادة

مدت يدها الصغيرة واختارت قميصا أزرق شاحب من تلك الكومة 

كورته ووضعته قريبا مني و ملسته براحة يدها كما فعلت

ابتسمت بخفة .. يالها من صغيرة لم تتعلم العيش في ميتم بعد

-هل تعلم أن الأحلام ليست كلها جميلة

باغتني صوتها الخفيض ببحته البعيدة , للحظة لم أظن أن باستطاعتها التحدث

عينيها اتسعتا جدا وكأنها اكتشفت شيئا جديدا لتو

بينما هي في الحقيقة تنتظر إجابتي مجرد تنتظر !

-نعم أحيانا تكون كوابيس وليست أحلام

وضعت رأسها على الوسادة الوثيرة المكونة من عدة قمصان أمتلكها

أغمضت عينيها وظننتها نامت فأردت أن انظر إليها عن قرب 

جلست بجوار الكرسي الذي تكورت عليه

-لماذا رحلوا ؟

هاهي ذي تباغتني أخرى بسؤال لا اعرف جوابه الآن

فتركت الصمت يتسرب في الغرفة من جديد حتى عشعش في زواياها

حتى أصبح تنفسها أقل تسارعا دليل دخولها موجة النوم الخفيف

فزفرت بعمق شديد وقد أدركت لتو أنني كنت أكتم نفسي

أي جواب كنت سأعطيها وأنا مجرد طفل يتيم في الثالثة عشر من عمرهـ !

وقفت بهدوء وأخذت القميص الأزرق ورفعته لأضعه كغطاء لها

دثرت جسدها به ورفعته قليلا لأغطي يديها فبانت قدماها

تركت الأمر على ما هو عليه وجررت نفسي بعيدا عنها

لم تسال كيف ستأكل أو كيف ستنام أو ماذا ستفعل غدا ككل أطفال السادسة من أعمارهم

رأيت مشرفة القسم تأتي من بعيد و خلفها تلوح المشاكل.. 

لا يوجد في هذا المكان البائس أسوأ منها..

آه بلى يوجد قسم الأولاد أسوأ شيء هنا

حتى انه أسوأ من هذه التي ترمقني من أعلى إلى أسفل

وعلى أسفل وجهها شيء يدعى شفتين قد زُمتا إلى جانب واحد بشكل مقرف 

وتخطتني دون توقف , رأيتها تقترب من الطفلة ودب في قلبي رعب لم أعرفه من قبل..

فماذا ستفعل بها هذه التنينة ؟

هزتها بعنف وهي تتمتم بما أظنه شتائم لا تترجم إلى لغات أخرى.. ثم صرخت 

- ضيء ..قومي خلصيني

فزعت ضيء وجلست فجأة مستقيمة الظهر ويديها إلى جنبيها جرتها بعنف لتوقفها

وعلى شفتيّ تشكلت كلمات لا اعرف كيف أنا نطقت بها

- خليها أنا بهتم فيها !!

-وشو ؟ لا.!! هذا إلي باقي.. شكل جلوسك في قسم البنات أثر على عقلك المعفن .. راح أتصرف بهذا الموضوع 

لم يعد مسموح لي بالبقاء في ذلك الجزء من الميتم لم يعودوا يسمحوا لي بالدخول لأراها

مع أنني أحيانا اسمع صوتها يبكي من خلف الباب الفاصل حيث رأتها تجرجرني لأخرج من هناك 

ومازلت أبحث عن ضيء بعد أن خرجت من ذلك الصندوق الكئيب .. ولا أجدها .

[ زرت يوما ميتما .. وكان حقا ميتم..!!

لا ضياء فيه سوى دموع تختفي في وجوهـ أولائك الاطفال 

لا دِين يستقى .. ولا حب يرتشف ..و لا رحمة يُدثر بها 

لا شيء لهم سوى الجفاف وخيالات يصنعونها بانفسهم ]

Entry filed under: سَـــرد [ قصص ]. Tags: .

عــــروس.!

تعليقات Add your own

  • 1. هدوء البحر  |  ديسمبر 9, 2008 عند 12:33 م

    طير..
    طير الأمة.. يطير في كل مكان…نجده يترك ريشة بيضاء في كل مكان مرّ عليه … توقيع لا يفهمه إلا من يتقن لغة الطيور…
    ريشة ناعمة…يتهافت عليها الأطفال…يمررونها على خدودهم استشعارا لنعومتها…. أما الكبار…فقد يطئونها بأقدامهم دون ادنى انتباه لها…!!
    تلك هي كلماتك …الريشة البيضاء….
    طير الأمة حلق هذه المرة في الميتم… مكان يعصر القلب عصرا… تصوير بليغ لمشاهد قاسية بعين بريئة…

    ولكن مابال طيرنا لم يبدأ مقالته بصورة من عينه الثاقبة…ومن زاويته التي لا يرهاها غيره… يعجبني جدا اختيارك للصور …

    هدوء البحر = نبض ;)

  • 2. bushra0011  |  ديسمبر 13, 2008 عند 8:24 ص

    يا لذالك الطير . أتمنى أن يشبهني ولو قليلا .!

    [[ولكن مابال طيرنا لم يبدأ مقالته بصورة من عينه الثاقبة…
    ومن زاويته التي لا يرهاها غيره]]

    كيف؟

    أي خلل كان في البداية

  • 3. هدوء البحر  |  ديسمبر 16, 2008 عند 7:59 ص

    ليس خللا يا طير الأمة
    لكني أحببت في مقالاتك أمرا وافتقدته..وهو أنك تصدرينها بصورة في البداية …
    أتراك تركت الصورة لحاجة في نفسك ..؟

  • 4. bushra0011  |  ديسمبر 18, 2008 عند 9:32 م

    ربما تركتها طلبا للتغير ..

    لا أعلم فلم أنتبه للأمر حقيقة ؛)

    .::.

    هدوء ..

    رغبة ملحة تجتاحني لزيارة مدونتك ..

    هلا وضعت رابطها فضلا لا أمرا

  • 5. هدوء البحر  |  ديسمبر 19, 2008 عند 12:00 م

    مدونتي ..؟!!!
    طير … أنا لا أكتب …فلست أهلا لذلك … لكني أكتفي بالقراءة …

  • 6. bushra0011  |  ديسمبر 19, 2008 عند 8:17 م

    حقاً !!

    آخر ما كنت أتوقعه أن يكتفي النبض بالهدوء الصامت

    امممـ أظنك بحرا ينتظر الرياح ليحرك موجه

    ورياحك مازالت تختبيء .. فابحثي عنها

    فأنا أؤمن بك :)

  • 7. هدوء البحر  |  ديسمبر 20, 2008 عند 8:14 م

    white bird…don’t west your time….just …write your mind then drow by rainbow ink in the sky & let us to enjoy it>>>!!

  • 8. bushra0011  |  يناير 6, 2009 عند 1:20 ص

    >>>>>>>>>

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


counter

أحدث التدوينات

أحدث التعليقات

bushra0011 on من يجد يجد لي ضيء ؟
أريج الخريف on أفريقية على ناصية الشارع
أريج الخريف on زهرة البان 3
هدوء البحر on هاوية المحاسبة الحكومية
هدوء البحر on من يجد يجد لي ضيء ؟

الأرشيف


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.